Search
الإثنين 20 نوفمبر 2017
  • :
  • :

قفصة: توزيع المياه الصالحة للشرب شبح أزمة تلوح في الأفق

قفصةمع بداية فصل الصيف، برز من جديد مؤشر أزمة توزيع المياه الصالحة للشرب بجهة قفصة. فعمليات التخريب التي شهدتها مدينة أم العرائس، في مطلع هذا الشهر  “ماي” والتي أضرت ببعض الآبار ومحطات ضخ مياه الشرب التابعة للشركة الوطنية للاستغلال وتوزيع المياه فرع قفصة، أعادت إلى ذهن المواطن صورة اضطرابات توزيع المياه التي عاشت تحت وطأتها الجهة طيلة الصائفة الفارطة.

 

 اليوم وعلى غرار العديد من المشاكل التي تشغل بال المواطن وتعكر صفوه، فإن موضوع الخدمات المقدمة من الشركة لتغطية الاحتياجات الحياتية اليومية للمواطن من الماء باتت محل مسائلة. فما هي أهم المواقف تجاه هذا الموضوع ؟

 

إن الإضطرابات المتزايدة في توزيع كميات المياه الصالحة للشرب طيلة الثلاثة سنوات المنقضية والتي وصلت في بعض الأحيان إلى الانقطاع المتكرر وحرمان أحياء سكنية كاملة من المياه الصالحة للشرب لأيام كاملة، باتت تمثل اليوم مصدر إزعاج وقلق وحيرة للمواطن. بالإضافة الى ذلك فان مثل هذه الاضطرابات يتزايد تأثرها خاصة بدخول فصل الصيف الذي تتجاوز فيه درجة الحرارة 43 درجة مئوية.

 

 أسباب هذا الانقطاع المتواصل للمياه عديدة ولعل اهمها و ابرزها هي عمليات التخريب التي تطال الابار و محطات الضخ التابعة للشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه فرع قفصة و منها وعلى سبيل الذكر عمليات التخريب التي عرفتها معتمدية ام العرائس في بداية هذا الشهر بتاريخ 3و7 ماي والمتمثلة خاصة في قيام مجموعات مجهولة بتخريب بئرين مخصصين للاستغلال العمومي. حيث عمد المخربون في مرحلة أولى، على القيام بحرق قناة الدفع ببئر “تبلديت” ثم في مرحلة ثانية القيام بسرقة أسلاك الكهرباء ببئر “المرطي 2”. هذا و بالرغم من انه تم التعامل مع هذه الحادثة و معالجة الأمر عن طريق القيام بعملية الصيانة يوم 14 ماي حسب تصريح رئيس مصلحة الصيانة بالإدارة المركزية للشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه “محمد امين قلنزة”، الا ان وقع هذه الحادثة، أعادت شبح الانقطاع المتكرر للمياه التي عرفتها المدينة طيلة الصائفة الفارطة.

انقطاع المياه الصالحة للشرب مسؤولية رماها البعض على عاتق الشركة التونسية للاستغلال و توزيع المياه، تلك المسؤولية تتناول في مضمونها عدة اعتبارات خاصة منها مستوى الخدمات المقدمة للمواطن، فبالرغم من إمتلاك ولاية قفصة لحوالي مئة بئر عميقة مخصصة للاستهلاك العمومي، موزعة على حوالي إحدى عشر معتمدية والراجعة ملكية استغلالها للشركة الوطنية للاستغلال و توزيع المياه فرع قفصة الا انها تقف عاجزة عن ارضاء المواطن وعلى ضمان تزويده بالمياه الصالحة للشرب على مدار السنة  بمختلف الاحياء، و خاصة منها الاحياء ذات الكثافة السكانية المرتفعة.

 

“عثمان بالعش”، من مواليد 1926 قاطن بحي المولي منذ اثنين وخمسين عاما. أكد لنا أن طريقة تهيئة البنية التحتية لشبكة المياه بالمناطق السكنية الشعبية، هي احد أسباب الانقطاع المتكرر للمياه فهو يعتبر ان هذه الشبكة تفتقر إلى المواصفات المطلوبة، يقابلها في ذلك غياب عمليات الصيانة الدورية. هذا ما ورد أيضا على لسان السيدة “فطيمة كاملة ” القاطنة بحي أولاد الحاج نهج الصندل بمدينة قفصة، التي رأت بدورها ان الاضطرابات في التوزيع هي راجعة بالأساس الى ضعف ضخ المياه والتي تشكل عائقا أمام ضمان التوزيع المتواصل وبدون انقطاع للمياه. فقد روت لنا أنها عاشت فترات عصيبة طيلة الصائفة الفارطة حيث أن عمليات توزيع المياه شهدت انقطاعا متواصلا وخاصة منها في فترات الذروة، التي يكون فيها الاستهلاك كبيرا، بحيث يصبح من المستحيل وصول المياه إلى هذا الحي. نفس هذا المشكل يعيشه متساكني حي سيدي سالم بمنطقة القصر التي تعيش اضطرابا وانقطاعا في بالمياه الذي تواصل طيلة ثلاثة أيام على امتداد هذا الشهر. بالتوازي مع هذا الضعف على مستوى الخدمات، اكد هؤلاء على ان قيمة مجموع معاليم المتر المكعب من الماء و المعاليم الإضافية المرفقة بفاتورة الاستهلاك، باتت تصل اليوم إلى أرقام مجحفة لا تعكس حقيقة القيمة الفعلية للاستهلاك الجملي للفرد.

تحديات كبيرة تواجهها اليوم الإطارات الفنية التابعة للإدارة الجهوية للفلاحة وكذلك الإطارات العاملة بالشركة الوطنية للاستغلال وتوزيع المياه، في تعاملها مع ملف الثروة المائية بالجهة. فترشيد سياسة الاستهلاك التي تهدف بالأساس على الحفاظ على مخزون الثروة المائية بالجهة وتوفير الاحتياجات اليومية للمواطن مع مراعاة الاحتياجات الصناعية والفلاحية للجهة، تمثل محورا اساسيا وبابا هاما في التنمية المستدامة. فعمليات الاستنزاف المتواصلة للمائدة المائية على مدي العشرية الأخيرة، أثرت بشكل كبير على مخزون المياه وأصبحت تمثل تهديدا لمستقبل العيش والتوازن الطبيعي بالجهة. هذا الاستنزاف، يأتي بدرجة اولي كنتيجة الاستهلاك الكبير الموجه لمعالجة المواد المنجمية من قبل الشركة الوطنية للفسفاط بقفصة و بدرجة ثانية كنتيجة للتوسع الكبير للمساحات الزراعية.

بالإضافة الى هذه العوامل، فان هذا النقص يتأثر بطبعه بالظروف الطبيعية وبفترات الجفاف و بموجات الحرارة التي تميز الطابع المناخي للجهة و كحل ظرفي بديل لمجابهة هذه الظروف الصعبة ولتغطية الاحتياجات الضرورية من المياه، التجئ البعض من المواطنين إلى الاعتماد على حفر خزانات وأبار منزلية مثلما هو شأن “عثمان بالعش”. فيما اختار اخرون في الكثير من الأحياء الاعتماد على شراء الماء من الباعة المتجولين.

“عبد الله زواق” هو بائع ماء متجول اختار هذه المهنة منذ عام 2012. فلتغطية حاجيات الاحياء السكنية من الماء يقوم “عبد الله زواق” بجلب الماء من بئر يقع بمنطقة “ميدقاوس” الذي يبعد على قفصة المدينة حوالي 20 كلم. اوضح لنا هذا الاخير انه يقوم بتوزيع الماء وبصفة يومية على حوالي ال60 عائلة وعبر لنا على ان هذا الرقم يطرح اليوم العديد من التساؤلات خاصة حول المستوى الذى بلغته الخدمات الحياتية المقدمة في 2014، باعتبار ان ظاهرة بيع الماء انتشرت بكثرة في الثلاثة سنوات الأخيرة.

و في هذا السياق صرح لنا “شكري طبال” عامل الصيانة بمصلحة الأشغال بالإدارة المركزية للشركة الوطنية للاستغلال و توزيع المياه فرع قفصة، ان موضوع جودة الخدمات مقترن بما هو متوفر من إمكانيات لدى الإدارات الجهوية للمؤسسات الحيوية الوطنية. فمصلحة عملة الصيانة بالإدارة تضم الان حوالي سبعة عملة صيانة، بعدما ما كانت تظم عشرة افراد. بالنظر إلى هذا العدد، يرى “شكري طبال” ان هذا الرقم يقف عاجزا عن القيام بعملية صيانة دورية لحوالي مائة بئر عميقة مخصصة للاستهلاك العمومي والموزعة على حوالي إحدى عشر معتمدية بجهة قفصة. هذا النقص يضع إمكانيات الشركة و سياسة الإدارة في ضغط كبير أمام التحديات التي يفرضها الواقع بالجهة. بالتوازي مع ذلك أكد لنا “الفالح وناس” رئيس أشغال بمعتمدية القطار، أن ضعف الموارد المالية المرصودة لتوفير التجهيزات اللازمة يمثل عاملا أخر من شانه أن يؤثر على مستوى الخدمات، بحيث انه يجعل من الصعب القيام بالصيانة و بصفة دائمة لكامل الابار المعدة للاستغلال.

يرى العديد، ان ملف الثروة المائية ملف يضع اليوم قدرات العديد من الأطراف المسؤولة والهياكل الإدارية بالجهة  في مواجهة غضب الشارع و في محل مسائلة تجاه سياسة التنمية المستدامة المنتهجة للتعامل مع الثروات البيئية بجهة قفصة. فهل تتخطي هذه الاطراف شبح ألازمة التي تلوح في الأفق؟

 

                                                                                            محمد علياني

 




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Le Tunisie Bondy Blog est un média en ligne qui a pour objectif de permettre aux jeunes de pouvoir s’exprimer, de raconter la vie quotidienne, loin de la stigmatisation et du sensationnalisme. De pouvoir aussi acquérir les bases d’un journalisme citoyen afin de se préparer, pour ceux qui le souhaitent, à devenir des journalistes professionnels. Notre équipe de journalistes effectue des reportages de terrain sur les réalités quotidiennes des habitants des régions intérieures de Tunisie.