Search
السبت 16 ديسمبر 2017
  • :
  • :

غياب الإبداع المسرحي.. تجاهل دولة أم تخاذل فنانين

ربما عدد الأعمال المسرحية التي قدمت خلال السنوات الخمس الماضية بمسرح قفصة كثيرة ومتنوعة ولكن للأسف لم يَعْلق عمل واحد منها في
ذاكرة الجمهور، وبالمقابل مازالت الاعمال التي قدمها عقب نشأته محفورة في الذاكرة حتى الآن ونستطيع أن نتذكر منها مثل «حمة الجريدي  و فيران الداموس وأعمال مسرحية أخرى عديدة قُدمت بفكر ووعي رجالٌ آمنوا برسالة المسرح على الرغم من قلة الإمكانات المادية والتقنية في ذلك الوقت.. والسؤال هنا: لماذا غاب الابداع عن واقعنا المسرحي الحالي ولماذا لم تقدم الساحة منذ سنوات عملا يعلق بالذاكرة؟  وهل هناك أسباب تتعلق بالدولة و أخرى بالفنانين تفسر سبب غياب هذا الإبداع؟

         إنطلق مسرح قفصة في التأسيس لعمقه التاريخي وارثه الحضاري الزاخر منذ 1972  من خلال التأثيث لتجربة مسرحية رائدة، متفرّدة في رؤاها وعلى أسس ثابتة وسليمة بالاعتماد على فرقة مسرح الجنوب التي أثرت الفن الرابع التونسي بأعمال لازالت وستبقى مرجعا هاما للدارسين والباحثين في الشأن المسرحي التونسي… كانت البداية بجحا والشرق الحائر… لتتوالى الانتاجات المسرحية الخالدة: «الزازية الهلالية»، سيرة محمد علي، علي بابا والبرني والعطراء، فيران الداموس، حمّة الجريدي، أحبّك يا شعب وصاحب الكلام، السوق الجراد، جواب مسوقر، العريش… وغيرها من الإنتاجات التي أضفت مسحة جمالية وإبداعية خاصة.

         ومع تأسيس مركز الفنون الدرامية والركحية بقفصة والذي أشرف على تكوينه وإعداده إعدادا فنيا المخرج والممثل المسرحي الكبير عبد القادر مقداد اذ تواصلت المسيرة الابداعية المسرحية أكثر تألقا وتوهجا بإنتاجات على غرار الكنز الدائم و يحكيو على البشير بن سديرة، وعلولو الحجام، وكلاب فوق السطوح، وعرس هارون، وعبد الجبار حلّ الكتاب وواد الربيع… إلى نوارة الملح وعلي بن غذاهم باي الشعب.

         عديدة هي الأسماء التي كتبت بحسّها الإبداعي وسخّرت ثقافتها المسرحية مسيرة هذا الصرح المسرحي العريق بقفصة إخراجا وتأليفا وتمثيلا انطلاقا من محمد رجاء فرحات والفاضل الجعايبي ورؤوف بن عمر قبل أن يتسلّم المشعل الفنان المسرحي عبد القادر مقداد ومعه كان الراحل محمد الطاهر السوفي والمنصف البلدي ولطيفة القفصي ومحمد القطاري والفاضل قلنزة… والقائمة طويلة في هذا المجال

عندما يتراجع  الإبداع المسرحي

         أكيد أن غياب الأعمال المسرحية عن مهرجانات قفصة ومهرجانات تونس  ليس حالة طارئة، بل  انه غياب في الفعل الدرامي، وفي بحثه وتطويره قد نقول لا أحد يدري أسباب هذه الانتكاسة أو الغياب، ولكن الحقيقة أن الأسباب جد معروفة وجميعها يتصل بالسياسة الثقافية في تونس.

         ويضيف الهادي عباس مدير مركز الفنون الركحية و الدرامية بقفصة  أن  المسرح في قفصة  في القرن الماضي، كانت تتنازعه عدة مسائل هامة أبرزها حيرته بين الاقتداء بالمسرح العالمي، وبين إسهامه لتراثه الشعبي بين أن يكون مسرحا فرجاويا في توجهه وطموحاته، أو أن يكون مسرحا تجريبيا يبحث عن موقعه الطلائعي في العالم الحديث.

الهادي عباس مدير مركز الفنون الركحية و الدرامية بقفصة 

  

         ففي فترة سبعينيات القرن الماضي، وفي أوائل الثمانينيات، اهتمت هذه الظواهر والتيارات بالتراث وبالتاريخ وبالأسطورة وبالحكاية واهتمت بالإنسان العربي وصراعاته المتداخلة واهتماماته  فأعطتنا سلسلة من الأعمال المسرحية ما زلنا نعتبرها فاتحة عهد جديد للمسرح ، فمن خلال القيم والمعاني المتقدمة في تراثنا الشعبي

 أصبحت تجارة لا غير

         أصبح المسرح الآن مقارنة بالمسرح في الستينات والسبعينات تجاري يسعى من خلاله القائمين على الأعمال المسرحية إلى كسب المال وخلق الثروة  وهذا ما يؤثر على الطابع الإبداعي للمسرح في قفصة وكل هذا على حساب الفكر والإبداع والجودة في الإنتاج.

أنور صويلح “كاتب مسرحي”:     

 

زاوية مختلفة

         تناولت دلال الممثلة مسرحية القضية من زاوية مختلفة، حيث اعتبرت أن مشكلة الركح في ضعف التسيير و إصرار القائمين على المسارح الجهوية على التمسك بكل ما هو قديم و فرض نفس الأسماء في كل مرة، مؤكدا بأن تقهقر خشبة المسرح  مرده الأول هو أنه أصبح يخضع لتسيير إداريين لا يؤمنون برسالة الفن و لا يفقهون في أصوله، وهو ما أفقد الأعمال الكثير من ثقلها و جردها من الكثير من صفاتها، مع ذلك لا ينفي الممثل بأن المسرح شهد نوعا من التطور من ناحية الإنتاج، بفضل محاولات العديد من الفنانين الشباب الذين يسعون في كل مرة للبروز و الخروج بالأعمال التونسية  إلى مسارح العالم. مؤكدة أنها لا تحب التنظير، ولكنها تطرح رؤية وحل من خلال توفير مكاتب لكبار ورواد المسرح في دور العرض المسرحي يستقبلون من    خلالها المواهب الفنية الشابة ويحتكون كذلك بالجمهور بهدف استعادة تقديم روائع اعمالهم المسرحية التي قدموها في السابق، ومثل هذا الأمر يساهم في إنتاج جيل مسرحي جديد، وكذلك يوثق الأعمال القديمة لعدم وجودها في أرشيف المسرح،

دلال خذيري “ممثلة مسرحية” :     

قطيعة بين الأجيال  

         يعد حياد المسرح  عن معالجة القضايا الاجتماعية والسياسية والثقافية و الإنسانية من أبرز الأسباب في تجريد الأعمال المسرحية من الإبداع وطابع التلميح والإيحاء فيمكن للمسرح أن يستطيع  (رغم ثورة الاتصالات الحديثة) الإفلات من القولبة والاكتفاء بتجارب السابقين، وعلينا أن نستفيد من هذه الثورة الرقمية، ففي زمننا هذا سقطت النخب التقليدية، وأصبحت الثقافة جماهيرية معولمة.

الهادي عباس مدير مركز الفنون الركحية و الدرامية بقفصة      

إن المسرح إستطاع في مرحلة معينة أن يكسب ثقة رواده، بفضل لغته البسيطة و قدرته على الخوض في تفاصيل حياتهم اليومية و معالجتها بكل بساطة.أما الآن كما يرى الهادي عباس. فقليلة هي الأعمال التي أنتجت خلال 10 أو 15 سنة الأخيرة التي إستطاعت أن تحقق النجاح و الجماهيرية.

         ولئن اختلفت أراء المبدعين والقائمين على الأعمال المسرحية حول نجاح ورواج الإنتاج، فان الحقيقة تكمن في روح الإبداع والإيمان برسالة المسرح في معالجة القضايا الإنسانية  فهل ” إلي تعدَا وفات زعَّمة يرجعَ “؟.

 

 

                                                                          حسام بوشيبة

 




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Le Tunisie Bondy Blog est un média en ligne qui a pour objectif de permettre aux jeunes de pouvoir s’exprimer, de raconter la vie quotidienne, loin de la stigmatisation et du sensationnalisme. De pouvoir aussi acquérir les bases d’un journalisme citoyen afin de se préparer, pour ceux qui le souhaitent, à devenir des journalistes professionnels. Notre équipe de journalistes effectue des reportages de terrain sur les réalités quotidiennes des habitants des régions intérieures de Tunisie.