Search
الإثنين 18 ديسمبر 2017
  • :
  • :

خطاب القسم : قراءة تحليلية

عملا بأحكام الدستور أدى يومأمس رئيس الجمهورية التونسية السيد الباجي قايد السبسي اليمين الدستورية بصفته رئيسا منتخبا وفق الصيغة الدستورية الجديدة للجمهورية الثانية أمام مجلس نواب الشعب و في حضور ممثلي الهيئات الدستورية و السياسية و المدنية القائمة فضلا عن ممثلي عدة بعثات دبلوماسية مقيمة ببلادنا.

و على هامش أدائه للقسم الدستوري ألقى الرئيس خطابا منهجيا تحكمت الصلاحيات الدستورية المتعلقة بمهام الرئيس المنصوص عليها بالدستور في تحديد محاوره اعتبارا لتمحور العمل الحكومي وفق أحكام الدستور حول مسائل الخيارات العامة الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و الأمنية فضلا عن تدبير الشأن العام و تسيير دواليب الدولة في سياق الثقة البرلمانية التي ستحظى بها الحكومة من مجلس نواب الشعب حيث تنص أحكام الدستور على قيام رئيس الجمهورية بمهام و قضايا السياسة الخارجية بما تتضمنه من محاور العمل الدبلوماسي و الدفاع عن مصالح تونس لدى المجتمع الدولي و تمثيل بلادنا في مختلف هيئات الحركة السياسية و الدبلوماسية الدولية إضافة لرعاية شؤون التونسيين ضمن دوائر الإقامة الخارجية و في المهاجر و سياسات الدفاع و الأمن القومي و التي تتمثل في دعم و تعزيز القدرات الدفاعية و الأمنية للدولة حتى تكون قادرة على ضمان أمن البلاد من كل عدوان خارجي و داخلي محتمل و ذلك ضمن سياق اقليمي و دولي من سماته البارزة تفشي ظاهرة الارهاب.

بلغة حازمة وواضحة شدد رئيس الدولة في معرض خطابه و بالنظر لحالة الانقسام و التجاذب السياسي المتولدة عن مناخ التنافس الانتخابي شدد على تعهده أن يكون رئيسا لكل التونسيات و التونسيين اذ أن ما يفوق المليون تونسية و تونسي من جملة الناخبين الذين أدلوا بأصواتهم يوم 21 ديسمبر الماضي لم يمنحوا ثقتهم للسيد الباجي قايد السبسي وهو ما يحمل الرئيس على الأخذ في الاعتبار مقتضيات بعث رسائل واضحة و غير قابلة للتأويل و مسترسلة طوال الفترة الأولى على الأقل لطمأنة طيف مهم من التونسيات و التونسيين و اشعارهم بتعهد واقعي و عملي من قبل مؤسسة رئاسة الجمهورية للوحدة الوطنية و ضمان حقوق و حريات كل التونسيات و التونسيين و ذلك اعتبارا و أن من مشمولات الرئيس وفق أحكام الدستور ضمان تطبيق أحكامه و خاصة ما تعلق منها بالحقوق و الحريات بصرف النظر عن الهوية الفكرية و السياسية و بعيدا عن كل وجه من وجوه الإقصاء أو الاستثناء.

في سياق متصل تضمن خطاب رئيس الجمهورية تحديدا واضح المعالم للسياسات الخارجية التي ستشكل لاحقا محاور خطط التحرك الدبلوماسي للخارجية التونسية و التي ستتمحور وفق ما ورد بالخطاب على إعطاء دفع خاص للعلاقات في مستوى المجال المغاربي و العربي و خاصة في بعده الخليجي و كذا الإفريقي كما أكد على ضرورة الارتقاء بالعلاقات التونسية الأوروبية ضمن سياق منزلة الشريك المتميز و ذلك اعتبارا و أن الفضاء الأوروبي يمثل العمق الاقتصادي و التجاري لبلادنا حيث تبلغ نسبة التبادل التجاري بين تونس و الفضاء الأوروبي عموما ما يفوق 80 بالمائة و يشمل معظم أوجه النشاط التجاري (صادرات وواردات صناعية و فلاحية في الإتجاهين) و الخدمي (السياحة و التعاون الثقافي) و المالي (مختلف أوجه التعاون و التعامل المصرفي) فضلا عن ضرورات استقطاب الاستثمارات الأوروبية المباشرة و غير المباشرة خاصة و الأجنبية عموما في أفق تحقيق النهضة الاقتصادية المنشودة اعتبارا و أن بلادنا تعيش منذ سنوات أزمة اقتصادية و اجتماعية خانقة لعل أبرز مظاهرها تراجع نسق الصادرات و تدني مداخيل السياحة و انخفاض تحويلات التونسيين بالخارج.

على صعيد الدفاع و الأمن القومي و بالنظر لما تميزت به أوضاع تونس خلال السنوات المنقضية و اعتبارا لجملة الهزات الأمنية التي ميزت الحياة الوطنية خلال الفترة الماضية و الراهنة حيث تفشت الظاهرة الارهابية و بلغت مستوى غير مسبوق من الخطورة الأمنية على حالة الطمأنينة و الاستقرار بالبلاد لعل أبرز مظاهرها تعدد المواجهات بين المؤسسة الأمنية و العسكرية مع مجموعات من الخلايا الارهابية خاصة على المحور الشمالي الغربي للبلاد شدد خطاب رئيس الجمهورية على ضرورة تدعيم الجهود الوطنية في مجال مكافحة الارهاب و ذلك من خلال حشد و تعبئة المزيد من الموارد المادية و البشرية و اللوجستية لضمان الانتصار في هذه المعركة و توسيع دائرة المعالجة لتشمل المستوى الاقليمي و الدولي حيث لا تخفى الامتدادات الاقليمية و الدولية للظاهرة الارهابية اعتبارا لجملة التحولات السياسية التي عرفها و يعرفها الاقليم و ذلك بإعطاء دفع جديد لمستويات التقارب و التنسيق الأمني و العسكري مع دول الجوار الجغرافي.

رغم الإيجاز الذي ميز خطاب القسم إلا أنه اختزل جملة التحديات القائمة أمام بلادنا كما حدد جملة العناوين التي ستسير على هديها مؤسسة الرئاسة خلال المرحلة المقبلة مع تأكيد واضح على ضرورة التناغم مع العمل الحكومي.و لعل ما يمكن للمرء أن يشير إليه في معرض رصد بواكير ملامح سياسات الفريق السياسي الجديد أن محاور ضمان أمن التونسيين و تخفيف حدة الأزمة الاقتصادية و الاجتماعية و تنقية الصورة الخارجية لبلادنا التي تجسم جدول أعمال تونس الناهضة ستتوقف و إلى حد كبير على طبيعة المقاربة التي ستتولى بمقتضاها رئاسة الجمهورية القيام بمهامها و ترسم بذلك الإطار العام الذي ستتمكن ضمن حيثياته الحكومة القادمة من وضع مجموعة السياسات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و الأمنية و كذا قدرتها على تصريف الشأن العام من أجل تحقيق الأهداف التي سيتضمنها البيان الوزاري المرتقب للحكومة القادمة و الذي سيكتسي الصبغة القانونية حينما يحظى بمصادقة مجلس نواب الشعب.

                                                           محمد الهادي حمدة




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Le Tunisie Bondy Blog est un média en ligne qui a pour objectif de permettre aux jeunes de pouvoir s’exprimer, de raconter la vie quotidienne, loin de la stigmatisation et du sensationnalisme. De pouvoir aussi acquérir les bases d’un journalisme citoyen afin de se préparer, pour ceux qui le souhaitent, à devenir des journalistes professionnels. Notre équipe de journalistes effectue des reportages de terrain sur les réalités quotidiennes des habitants des régions intérieures de Tunisie.