Search
الأحد 18 فبراير 2018
  • :
  • :

الأخطاء الطبية : إهمال مقصود أم قضاء وقدر؟

يعتبر الطب من المهن المعقدة ولا يختلف اثنان حول أهميته ونبل القائمين عليه ومهما كان جنسهم ودينهم وفلسفتهم للحياة الانسانية ومن هنا يتبين لنا بوضوح انه رغم التطور الهائل في المجال العلمي والتكنولوجي وما رافقه من اختراعات واكتشافات اقترنت بالصحة البشرية اذا ما احسن استغلالها ذلك يجعل الانسان مهددا في سلامته اذا لم يتم وضع الضوابط الاخلاقية والقانونية للحد من الاخطاء الطبية.

 إن التطور الرهيب في علم الطب رافقه تزايد نسبة الاخطاء الطبية التي اصبحت شبه يومية وحديث الصحف احيانا واروقة المحاكم احيانا اخرى وهو ما جعل من موضوع الاخطاء الطبية مشكلة مجتمعية تحوز اهمية خاصة لدى فئات المجتمع ولم تعد مشكلة مهنية محصورة ضمن كوادرها الطبية .

خطأ هيكلي ولوجستي

e1ef6b1511175103949b82a229ea0710_l

الخطأ الطبي هو الاخلال بواجبات الحيطة والحذر واليقظة التي تمليها علة الطبيب طبيعة عمله وتلزمه بها التشريعات واللوائح الطبية فالخطاء الطبي الهيكلي هو ذلك الخطأ الخارج عن نطاق المهنة واصولها الفنية والناجم عن سلوك انساني مجرد قد يعتبره البعض مجرد قضاء وقدر محتم عن المريض ومن بين السلوكيات المتفشية داخل المستشفيات والناجمة عن الهفوات الطبية هي سوء التشخيص او الانفراد بالتشخيص والاهمال وعدم التدقيق في الملاحظة اثناء اجراء العملية  الجراحية فلا يعطي الطبيب او الجراح ما يستحق من الدقة والملاحظة فينتج عنه اثار مرضية مثل الاسراع في معالجة المرض المفاجئ الذي يتعرض له المريض وذلك استئثاره برأيه في العملية التي قد لا تدخل كل اجزائها في اختصاصه .

كما ان الجهل بأمور فنية يفترض على من كان في مثل تخصصه ودرجته المهنية الالمام بها او استعمال الآلات او الاجهزة الطبية دون ان يكون على علم كاف بطريقة استعمالها او دون ان يتخذ الاحتياطات الكفيلة بمنع حدوث ضرر من جراء هذا الاستعمال .

اما الخطاء اللوجستي الذي اشار اليه العديد من الباحثين في مجال الطب فانه يتمثل في افتقار المراكز الصحية لوسائل ومعدات متطورة تساعد على التقليص من حدوث الاخطاء وتدقق في التشخيص لدرجة ان الطبيب يستطيع ان يتكهن بكل الامور التي قد تفاجئ المريض اثناء العملية وقد اتهم عديد الكوادر الطبية  شركات توريد المعدات الطبية بتقصيرها في توفير هذه المعدات بل تعمدها في كثرة الاخطاء الطبية من خلال اعادة رسكلة المعدات الطبية  البسيطة مثل الحقن بعد استعمالها يعاد تعقيمها واستعمالها مرة اخرى وهو ما قد يتسبب في نشوء جراثيم قاتلة داخل الجسم (عافانا وعافاكم الله) .

ان ظاهرة الاخطاء الطبية ليست حكرا على تونس فقط بل هي ظاهرة عالمية  تتراوح نسب الاخطاء الطبية من دولة الى اخرى في امريكا وكندا بين 5و7 بالمائة  من نسبة دخول المرضى الى المستشفيات للتنويم وتكون النسبة في اروبا ما بين 6و11 بالمائة ام في تونس لم يقع الى حد الان تحديد نسبة الاخطاء الطبية وذلك حسب ما اشارت اليه الجمعية  التونسية لمساعدة ضحايا الاخطاء الطبية  على شبكة التواصل الاجتماعي الفيس بوك .

اذن من يحمي المريض الضحية من التهاون والاهمال ؟

من يضمن حق المريض عندما يكون ضحية خطا طبي فيصاب بعاهة خطيرة يصعب علاجها ومن يضمن حق الورثة عندما يرسله الخطأ الطبي الى المقبرة ؟

وماهو دور الرقابة الصحية لهذا الموضوع عندما يكون اعضاءها يترددون في ادانة زملائهم ؟

كل هذه التساؤلات اردنا اثارتها لكشف الغموض حول الاخطاء الطبية ….

اول شاهد عما كنا نتحدث عنه في الاخطاء الطبية هو الشاب “المنصف  ب” اصيل الدوالي قفصة يروي قصة المرحومة اخته التي اوفاها الاجل نتيجة خطاء طبي فادح “كانت اختي تعاني من مرض مفاجئ بسيط للغاية يتمثل في نشوء حجرة في الكلى ,عملية جراحية ادت الى تفجير المرارة داخل الجسم والطبيب على علم ولكن لم يخبرعنها في الحين بل تكتم عن الامر الى ان توفيت اختي وهي ام لإبن عمره 11 عاما وبنت 3سنوات ” يتحدث الينا الشاب المنصف وهو في غاية من الحسرة والاسف لما حصل لا خته “وحيدة ” انفجرت عيناه بالدموع ويردد “حسبي الله ونعم الوكيل فيهم ” هذا هو القدر شاء لأختي تغادر الدنيا في هذا العمر . طبعا كل الامور الدنيوية هي قدر من الله تعالى فهو مسير الامور وميسرها ولكن في خلقه لعقل الانسان جعل هذا الكان البشري ان يتحكم في الامور فهو مخير بين الصواب والخطأ ,فالخطاء الطبي اذن ليس قدر بما هو يمكن ان يكون اهمال وتهاون في العمل لان العلم الحديث نشأ لتذليل الصعوبات الحياتية خاصة اذا خلف هذا الخطاء ضرر كبير لدى الضحية والعائلة :

الضرر في المجال الطبي

تعددت وجهات النظر في وضع تعريف لمعنى الضرر بصفة عامة ، فقد عرفه العلامة الشيخ الزرقا بأنه (هو ما يؤذي الشخص في نواحي ماديه ومعنويه ) والتعريف المستقر عليه لدى غالبية العلماء حول الضرر هو : (أن الضرر حالة نتجت عن فعل إقداما أو إحجاماً مست بالنقض أو بما يعنيه قيمة مادية أو معنوية أو كلتيهما للشخص المتضرر) ، من خلال هذه التعريفات لمعنى الضرر نرى أن الأنسب والأقرب لمعنى الضرر في المجال الطبي هو التعريف الأخير المتفق عليه بين الباحثين في مجال الطب ، والذي يمكن على ضوء ذلك التعريف العام تحديد معنى الضرر في المجال الطبي بأنه (حالة نتجت على فعل طبي  او عدم فعل طبي مست بالأذى المريض وقد يستتبع ذلك نقصاً في حال المريض أو في معنوياته أو عواطفه)، ويعد حصول الضرر للمريض ركنا أساسياً من أركان قيام المسئولية الطبية حيث إن تلك المسئولية شأنها شأن النظرية العامة للمسئولية تقتضي وجود الضرر لكي يقع الطبيب تحت طائلتها ، فليس مجرد حصول الخطأ من الطبيب كافياً لإقامة الدليل على تحقق المسئولية الطبية ، بل يجب أن يكون هناك ضرر حاصل للمريض بسبب الخطأ الطبي المرتكب من قبل الطبيب.

يقسم الضرر الذي قد يلحق بالمريض نتيجة الأخطاء الطبية إلى ثلاثة أقسام هي:

  الضرر الجسدي والضرر المالي والضرر المعنوي وهو الضرر الذي يصيب الإنسان في جسمه ، وهو ي مثل إخلالاً بحق مشروع للمضرور ، وهو حق سلامة الجسم وسلامة الحياة ، ومن واجبات الأطباء والتزاماتهم المهنية أن يحترم الطبيب حق الإنسان في الحياة وسلامة جسمه عند ممارسته العمل الطبي وأن يكون العمل الطبي يهدف إلى مصلحة المريض اما المقصود بالضرر المالي في المجال الطبي فهو الخسارة التي تصيب الذمة المالية للشخص المضرور ، ويشمل هذا الضرر ما لحق بالمريض من خسارة مالية كمصاريف العلاج والأدوية والإقامة في المستشفى ونفقات إصلاح الخطأ أيضاً ، بالإضافة إلى ما فات الشخص المضرور من كسب مشروع خلال تعطله عن العمل بسبب المعالجة وإصلاح الخطأ الطبي ، وهنا يجب التأكد أن الضرر المالي قد يتجاوز الشخص المضرور ، فمثلاً قد يلحق الضرر المالي الأشخاص المعالين من قبل الشخص الذي أصابه الضرر ومثل الزوجة والأبناء وغيرهم ، وهنا تقوم مصلحة من كان يعولهم المتضرر في المطالبة بالتعويض نتيجة إصابة معيلهم .:

يراد بالضرر المعنوي الأذى الذي يصيب الحق أو المصلحة المشروعة للشخص فيسبب ألماً معنوياً أو نفسياً للمضرور لمساسه بالكيان الاعتباري للشخص فهذا النوع من الضرر لا يصيب الإنسان مباشرة في جسده أو ماله بل يصيب الشخص في شعوره وعواطفه وأحاسيسه نتيجة معاناة قد تنتج عن آلام جسدية من جانب أو عن آلام نفسية من جانب آخر ، ومثال ذلك من الأضرار المعنوية أن يذاع عن شخص بأنه مصاب بمرض خطير أو نحو ذلك فهذا الإعلان قد يسيء إلى سمعة الشخص أو يحط من مركزه الاجتماعي أو المالي.

 في ربورتاج بثته الفضائية “تونسنا ” في افريل 2013 الفارط صور قصة عائلة وليد القاطنة بإحدى ضواحي تونس العاصمة عاشت حالة من الحزن والاسى نتيجة خطاء طبي بسبب جهاز كشف الولادة القديم حيث اكد وليد ان إبنته  ذات الأربع   سنوات بعد ولادتها تعرضت الى اعاقة عضوية على مستوى الارجل والايدي بسبب تأخر في الولادة ،خطاء طبي بسيط حوْل حياة البنت الى جحيم فمن يتحمل المسؤولية في هذا تساؤل طرحه وليد “ما ذنب ابنتي حتى تعاني من الاعاقة طوال عمرها وما ذنب جهاز الكشف في الامر.

التصور القانوني

 فحسب نظام مزاولة المهن الطبية العالمية (المادة السادسة والعشرون)انه كل خطأ مهني صحي صدر من الممارس الصحي وترتب عليه ضرر للمريض يلتزم من ارتكبه بالتعويض، وتحدد(الهيئة الصحية الشرعية) المنصوص عليها في هذا النظام مقدار هذا التعويض، ويعد من قبيل الخطأ المهني الصحي مثل الخطأ في العلاج ، أو نقص المتابعة والجهل بأمور فنية يفترض فيمن كان في مثل تخصصه أن الالمام به وإجراء الجراحات التجميلية و التجريبية وغير المسبوقة على الإنسان بالمخالفة للقواعد المنظمة لذلك وإجراء التجارب، أو البحوث   العلمية غير المعتمدة، على المريض.واعطاء دواء للمريض على سبيل الاختبار,

كما ان استعمال آلات أو أجهزة طبية دون علم بكاف بطريقة استعمالها ، أو من دون اتخاذ الاحتياطات الكفيلة بمنع حدوث ضرر من جراء هذا الاستعمال يمكن ان يودي صاحبه الى تتبع قانوني.

التقصير في الرقابة، والإشراف.

عدم استشارة من تستدعي حالة المريض الاستعانة به.

 ويقع باطلاً كل شرط يتضمن تحديد، أو إعفاء الممارس الصحي من المسئولية.

هكذا ينظر إلى الأخطاء الطبية… والمسؤولية الأخلاقية والقانونية

 الدكتور .أيمن الجبالي الخبير التونسي في القانون والطب الذي اعد كتابا على ملف الاخطاء الطبية اشار فيه انه بعض المرضى يعتقد أن لجان التحقيق الطبية قد تكون محدودة التأثير لان المحققين غالبا أطباء يصعب عليهم ادانة زميلهم.. ولو كان ضحية الخطأ الطبي فقد حياته أو اصيب بعاهة خطيرة يصعب علاجها معنويا وماديا.

اما الدكتور المنصف حمدون أستاذ بكلية الطب بتونس ورئيس قسم الطب الشرعي بمستشفى شارل نيكول فإنه قال في سؤال له  ليس هناك إحصائية دقيقة لدى الوزارة تحديد حجم الأخطاء الطبية في تونس لان الوزارة تدمجها ضمن حوادث المرور أو القتل على وجه الخطأ.

وقال إن الحالات الناتجة عن أخطاء طبية نتيجة تهاون عددها صغير جدا وأنها نسبية وهي حالات شاذة.. ملاحظا بان الطبيب بشر ويمكنه أن يخطئ لكن إمكانية حدوث الخطأ مرتبطة غالبا بمدى تحمل جسم المريض للدواء أو نوعية العلاج فأحيانا تحصل حوادث يمكن أن تخلف عاهات للمريض من مجرد عدم تقبل جسمه للدواء حيث يوجد أشخاص ماتوا بمجرد تناول حبة الأسبرين وهو أمر معترف به، فيمكن أن يصاب أخوان توأمان بمرض واحد لكن كل واحد تكون حالته الصحية مختلفة عن الآخر.. فالمهنة الطبية فيها خطورة…

لئن يعتقد البعض ان الاخطاء الطبية نتيجة اهمال وتهاون ونقص الخبرة والبعض الاخر يظن انه قدر محتم على البشر فلابد من حسم المسالة بالتكوين الاكاديمي للإطارات الطبية وتوفير الوسائل الطبية المتطورة وكشف الغموض عن تجاوزات شركات التوريد للمعدات الطبية ولنعلم ان الطبيب كائن بشري وكلنا خطاؤون.

 

                                                                                                                                                                   فتحي رحيمي




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Le Tunisie Bondy Blog est un média en ligne qui a pour objectif de permettre aux jeunes de pouvoir s’exprimer, de raconter la vie quotidienne, loin de la stigmatisation et du sensationnalisme. De pouvoir aussi acquérir les bases d’un journalisme citoyen afin de se préparer, pour ceux qui le souhaitent, à devenir des journalistes professionnels. Notre équipe de journalistes effectue des reportages de terrain sur les réalités quotidiennes des habitants des régions intérieures de Tunisie.