Search
الإثنين 20 نوفمبر 2017
  • :
  • :

أفران الموت

عصافير منطقة الرحيبة من معتمدية قفصة الجنوبية، ورغم قلتها إلا أنها أبت  أن لا تهجرعاداتها لتحتل كل زوايا هذه المنطقة النائية بزقزقتها، ترى شمس الصيف تطلع من وراء الجبال الحارسة للمكان،  تبعث بأشعتها الحارة نحو بيت عامل أفران الجير صاحب الأربع و خمسين سنة، تتسلل خيوط الضوء عند الفجر من ثقوب الشباك الخشبي القديم لتعانق عيني الحاج عثمان، توقضه من النوم، تهمس نسمة الصباح الباكر في إذنيه مرددة  بيت الشاعر أبي القاسم الشابي ” ألا إنهض وسر في سبيل الحياة فمن نام لم تنتظره الحياة”. يقوم مسرعا من فراشه يتناول فطوره،  يغتسل ثم يرتدي بدلة عمله الزرقاء و يتوجه ساعيا إلى الفلاح.

افران الموتأكثر من أربعة و عشرين سنة من العمل في أفران الجير بالمنطقة. ترى التجاعيد بوجهه تحاكي قصص العمل اليومية و تصف شقاء الثمانية ساعات من العمل، من أجل أجر زهيد تحت ظل إرتفاع الأسعار ببلدنا، يدان أرادت لهما غصبا السياسات الإقتصادية معاشرة المجرفة و المطرقة من أجل توفير قوت اليوم. عمال أفران الجير قدرهم هو ملازمة الحرارة شتاءا و صيفا. إن تحملوها في البرد فأنهم لا يطيقونها صيفا لتصبح حرارة الشمس أهون من الفرن. ظروف العمل قاسية، المخاطر حينية تتمثل في نقل الحجر، أعداد و إشعال الفرن حتى الألف و خمس مائة درجة و من ثم المراقبة لمدة خمسة أيام حتى يجهز الجير. الأمراض الجلدية و أمراض الجهاز التنفسي تعد من أكثر المخاطر التي تصيب العملة  مع  مرور الزمن. إضافة إلى ذلك الدخان الأسود و روائحه الكريهة الذي ينبعث من الفرن إثناء تحضير الجير بعد ما يتم حرق مادة المرجين السامة و العجلات المطاطية القديمة. هذه المواد تخنق الفضاء  لتنعدم بالقرية حتى الحياة البيولوجية  فلا ترى لا أشجار و لا حيوانات حتى الحشرات فقد زحف عليها الموت عبر نفايات هذه الأفران، أما المنازل  المتناثرة  هنا و هناك فقد ضلت خير شاهد على مرور الإنسان بهذا المكان.

أهّل الليل كعادته، يدفن أوجاع العملة، يطلق جنونه ليغازل مخيلاتهم، يسافر بهم حيث الأحلام الوردية، لعل أغلاها مورد رزق أخر غير أفران الجير، ليستفيقوا فجرا على حلقة جديدة قديمة من مسلسل الشقاء. تلك هي حياة سكان الرحيبة بين روتينية الأيام و كلاسيكية الليالي تضيع الأعمار و يضيع الإعمار.

 

                                          أمين بن منصور




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Le Tunisie Bondy Blog est un média en ligne qui a pour objectif de permettre aux jeunes de pouvoir s’exprimer, de raconter la vie quotidienne, loin de la stigmatisation et du sensationnalisme. De pouvoir aussi acquérir les bases d’un journalisme citoyen afin de se préparer, pour ceux qui le souhaitent, à devenir des journalistes professionnels. Notre équipe de journalistes effectue des reportages de terrain sur les réalités quotidiennes des habitants des régions intérieures de Tunisie.